عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

465

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أن تكون حالا من المفعول ، أي : أخذته ملتبسا بالإثم . قال القرطبيّ : وقيل : « الباء » بمعنى « مع » أي : أخذته العزّة مع الإثم . وفي قوله : « العزّة بالإثم » من علم البديع التتميم وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ، ترفع عنها اللّبس ، وتقرّبها من الفهم ، وذلك أنّ العزّة تكون محمودة ومذمومة . فمن مجيئها محمودة : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] فلو أطلقت لتوهّم فيها بعض من لا عناية له المحمودة ؛ فقيل « بالإثم » تتميما للمراد ، فرفع اللّبس بها . فصل [ في أن اللّه تعالى حكى عن هذا المنافق أفعالا مذمومة ] اعلم أنّ اللّه سبحانه وتعالى حكى عن هذا المنافق أفعالا مذمومة وهي اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدّنيا ، واستشهاده باللّه كذبا ولجاجة في أبطال الحقّ وإثبات الباطل ، وسعيه في الأرض بالفساد ، وإهلاك الحرب والنّسل ، وكلّها أفعال قبيحة ، فالظاهر من قوله : « وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ » أن يصرف إلى الكلّ ؛ لأنّ صرفه إلى البعض ليس أولى من البعض ، فكأنّه قيل له : اتّق اللّه في إهلاك الحرث والنّسل ، وفي السّعي بالفساد ، وفي اللّجاج في إبطال الحقّ ونصرة الباطل ، وفي الاستشهاد باللّه كذبا ، وفي الحرص على طلب الدّنيا . وقيل : قوله : « أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ » راجع إلى أنه قيل له : اتّق اللّه فقط ؛ على ما سيأتي ، فيكون معنى الآية الكريمة أنّ الموصوف بهذه الصّفات هو الّذي إذا قيل له : اتّق اللّه ، أخذته العزة بالإثم ؛ فحسبه جهنّم . و « العزّة » القوّة والغلبة من : عزّه يعزّه ، إذا غلبه ، ومنه وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ ص : 23 ] . وقيل : العزّة هنا : الحميّة ؛ قال الشّاعر : [ الرّمل ] 1016 - أخذته عزّة من جهله * فتولّى مغضبا فعل الضّجر « 1 » وقيل : العزّة هنا : المنعة وشدّة النّفس ، أي : اعتزّ في نفسه ، فأوقعته « 2 » تلك العزّة في الإثم ، وألزمته إيّاه . قوله : « فحسبه جهنّم » ، « حسبه » مبتدأ ، و « جهنّم » خبره أي : كافيهم جهنّم ، وقيل : « جهنّم » فاعل ب « حسب » ، ثمّ اختلف القائل بذلك في « حسب » فقيل : هو بمعنى اسم الفاعل ، أي : الكافي ، وهو في الأصل مصدر أريد به اسم الفاعل ، والفاعل - وهو جهنّم

--> ( 1 ) تقدم برقم 1015 . ( 2 ) في ب : فإذا وقعت .